أحمد بن يحيى العمري
79
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
حمود ، فقتله واحتز رأسه ، ورفعه على عود وأطيف به في تلك البلاد كأنه هدي تزف ، لا يمل بالتشفي رؤيته طرف ، ثم أدخل مالقة فثارت العامة على السطيفي فقتلوه ، ونصبت رؤوسهما وعلقت ، وركبا على خشبتين ، وركبا منهما مطيتين بوارك لا تسير بهما ، ولا تدني نوى مغتربهما ، إلا أنهما من جذوع الرواحل ، لا تطوى بها المراحل ، أو قواعد وعمد ، إلا أنها ليست ممدودة كأنهما عليها خشب مسندة ، قيدت لهما من مرابط النجار [ ص 35 ] ، ونيطت بهما لما يجمع بينها وبينهما من قرب النّجار ، وأخرج إدريس العالي من السجن ، وبويع يوم الخميس سادس إحدى شهري جمادى سنة أربع وثلاثين وأربع مائة ، ثم بويع بغرناطة قرمونة وما بينهما من البلاد ، أنارت بالعدل مشارق زمانه ، وأنالت من الفضل بوارق إحسانه ، ثم أمطرتهم ديمة دراكا ، وأرتهم غرّ الثنايا ، فما استسقوا بشاما ولا أراكا « 1 » . قال الشريف الغرناطي : وكان عدلا خيّرا ، لم يزل على أحسن الأحوال ، إلى أن ثار عليه ابن عمه محمد المهدي ، فجرت بينهما حروب ، كان الظهور فيها لابن عمه ، فانخلع له ، فسلم له الأمر ، وذلك في رجب سنة ثمان وثلاثين وأربع مائة ، وكانت مدته ثلاث سنين وستة أشهر ، ومات بعد ذلك بيسير . 26 - ذكر دولة المهديّ « 2 » أبي عبد الله محمد بن إدريس المتأيّد ، بويع له بمالقة يوم خلع ابن أخيه
--> ( 1 ) البشام : شجر طيب الريح والطعم يستاك به ، والأراك : شجر المسواك ، واحدته أراكة نبات كثير الفروع خوّار العود له ثمار حمر دكناء تؤكل ، ينبت في البلاد الحارة . ( 2 ) المهدي الحمودي : محمد بن إدريس بن علي بن حمود الحسني أبو عبد الله ، من ملوك الدولة الحمودية بمالقة وسبتة ، ثار بمالقة على ابن عمه إدريس بن يحيى وخلعه سنة 438 ه ، وتولى الأمر ، وتلقب بالمهدي ، وخطب له الحجاب ، وكان سفاكا للدماء مع حزم وتدبير ونبل ، واستمر إلى أن مات بمالقة ، وقيل من أثر سمّ سنة 444 ه -